فلسطينية لفلسطيني جدا

قراءة وعرض 

الكاتبة : قمر بدران 


اشراف ومراجعة ناصر أبو الهيجاء 
أحبتنا, أحبة الكاتب والاديب الفلسطيني جدا نواف ابو الهيجاء رحمه الله
كلما اتسعت الازمات , كلما ضاقت الحياة على الفلسطيني, كلما زاد توسع الحروب , اقتربت الرصاصة من قلب الفلسطيني , وكلما زاد الظلم كلما ضاقت الزنزانة على الفلسطيني , الفلسطيني الضحية هو الهدف في كل ما يدور , لكن ليس للفلسطيني الا الحلم ومعركته مع الحياة كأنما هي كابوسها , السيرة الفلسطينية هي المؤرخ الحقيقي للمرحلة , بكل تعثراتها وبكل مواجعها وبكل جراحاتها وبكل كفاحها وبكل مشاغباتها وحتى بمجونها وامتصاص عدمية الزمن وامتلاءه في ذات الوقت بعسل الوجود . هنا تاتي قراءة سيرة فلسطيني جدا , امتعاض وامتصاص لملح الدمع حينا وابحار في الحلم ولكن تبق السيرة فارغة امام هول الحياة .
نقدم لكم قراءة لفلسطيني جدا متواضعة , ولملمات لبعض ما حولها وحول الكاتب الاديب الراحل الكبير الفلسطيني جدا نواف ابو الهيجاء ومن توثيقات ومن سير في السيرة وساهم معنا بعض الاخوة الكتاب ستعرفونهم وبعض اصدقاءه واسرته , ولهم نتقدم بالشكر والشكر موصول لمن زودونا ببعض ارشيفه من صور ونتمنى على من لديه منها ان يتعاون معنا ونحن مستعدون ايضا لتلقي مبادراتكم في سبيل تعزيز هذا العمل في حلقات سنوردها متتابعة .نسالكم الدعاء لكاتبنا الراحل وشكرا لكم وفاءكم .
-1-
حين نشرع بالكتابة عن أحدهم يوقفنا سؤال مهم، هل يستحق فعلًا الكتابة عنه؟ وإن كان فمن أين نبدأ؟ من البداية أم من النهاية؟
كانت بداخلي رغبة عارمة للكتابة عنه، لكن! ماذا أكتب وأنا لم أتعرف إليه إلا لمدة قصيرة، لكنها كانت كافية لتجعله يحتل جزءًا كبيرًا بداخلي. كنت أشعر بالفخر لأني عرفته ولو لبعض الوقت، لكن ذلك لم يمنعني من الإصرار على التعرف عليه أكثر، سواء بالاقتراب من أهله أو معارفه، حتى وإن كان عبر العالم الإفتراضي، وهو ذاته العالم الذي التقيته فيه.
وظل الهاجس يراودني بأني أريد أن أعرفه أكثر، أن أسمعه هو، فكان بحثي عن كتاباته في كل مكان، من مقالات، روايات، قصص وأشعار. وكان كتاب فلسطيني جدًا الأكثر جذبًا لي، فهناك سأعرف هذا الرجل على حقيقته، فالسيرة الذاتية تكشف حقيقة الأشخاص.
لقد قرأت عددًا لا بأس به من هذا اللون الأدبي، وكان هو من القلائل جدًا الذين شعرت بمصداقيتهم في الكتابة ومنذ السطر الأول. فكنت ألتهم الحروف، أصارع الصفحات، أريدها أن تنتهي ولا أريد، لأظل قريبة منه، أسافر معه وأخوض تجاربه، أضحك وأبكي، أربت على كتفه حينًا، وأخرج صافعة الباب خلفي غضبًا حين يسوءني تصرف منه حينًا آخر. بين دفتيّ ذلك الكتاب عالم يأخذك ويأسرك فيه حتى آخر سطر، وآخر كلمة، وآخر حرف حتى نقطة النهاية.
نواف أبو الهيجاء.. ذلك الرجل السبعينيّ ،والذي كنت أشك في حقيقة عمره أحيانًا أثناء أحاديثنا القصيرة عبر الشاشة الصغيرة، فكنت أسرع إلى صورته لأتأكد بأني فعلًا أحادث رجلًا تجاوز السبعين بقليل. 
معرفتي به جاءت مصادفة، رغم أني لا أؤمن بالمصادفات، فالقدر كتب كل شيء، وقرر كل لحظة نعيشها ونحن في أرحام أمهاتنا، بل ربما قبل أن نصبح نطفة تعلق وتتشبث في غياهب الرحم.
كنت قد تعرفت إلى أخيه الأصغر، الكبير قدرًا ناصر أبو الهيجاء في هذا العالم أيضًا، والحقيقة لا أذكر من منا أرسل طلب الصداقة للآخر، لكن في كلا الحالتين، كنت أنا الرابح الأكبر، فكانت نقاشاتنا حول الأوضاع السياسية، وتساؤلاتي التي قد تؤدي إلى نفاذ الصبر، لكنه كان حليمًا إلى أبعد حد _كما كان نواف، وأولاده من بعده حين احتملوا ازعاجاتي، ورسائلي التي كنت أرسلها في أي وقت ليكونوا عونًا لي في اعداد هذه الحلقات عن الراحل الكبير_ صرت أكثر قربًا من الأستاذ ناصر، ليصبح مع الأيام أستاذي الذي علمني معنى الكتابة، وبأنها وليد عسير المخاض، لابد أن تدوي صرخته في الأنحاء حين نزوله من رحم الروح مع حبر القلم، ليعانق الأوراق، ويحلق معها إلى عالم أبديّ لا ينتهي. 
كنا نناقش ذات يوم أحد كتاباتي، فقال بأنه سيعرفني بالشخص الأمثل، الذي سيدلني على الطريق الصحيح، كونه قاصًا وروائيا وشاعرا، بينما كان ناصر شاعرًا صحفيًا ومترجما ومحررا ثقافيا ، وللحقيقة لا أراه يقل خبرة وتذوقًا عن فقيدنا بشيء. حين ذكر اسمه وبأنه أديب كبير، وله تاريخ لا يُنسى في عالم الأدب، كما في عالم السياسة، تفاجأت بأني لم أسمع به من قبل، لكني سعدت بخوض تجربة جديدة ستضيف لي شيئًا بكل الأحوال.
أرسلت طلب الصداقة، وبينما كنت أتصفح حائطه، جاءني إشعار بالموافقة سريعًا، فابتسمت، وقلت بأني سأتابع ما يكتب بصمت، فكيف لي أن أقتحم خصوصية رجل مثله وأنا البسيطة التي تكاد تكون نكرة أمامه، رغم أن الأستاذ ناصر حثني على الحديث إليه، لكني لم أفعل.
في صباح اليوم التالي وبينما كنت أتجول بين الصفحات جاءتني رسالة، لأفاجأ به يلقي عليّ تحية الصباح، أصبت بالارتباك، فرددت التحية على استحياء، ولم أخف عليه الأمر، فقد أخبرته بأني لم أتوقع أن يكلمني يومًا، فضحك قائلًا:"لماذا؟ ألسنا جميعًا أولاد تسعة، وأنت الآن صديقة، وأنا لا أُبقي من لا أعرفهم".
كان حديثًا قصيرًا، لكنه علق في الذاكرة إلى الأبد، وتوالت الأيام وكان في أغلبها هو البادئ بالسلام والسؤال عني.
كانت الطيبة والرقة والصدق صفات واضحة فيه، علمتني العلاقة معه، أن الكاتب العظيم هو ذلك الإنسان البسيط، وأن الغرور أبدًا ليس من صفات العظماء كما كنت أظن فيما مضى.
كان يقرأ ويتابع ما أكتب على متصفحي، وقال لي ذات حديث صباحي:" أنت مشروع أديبة بامتياز إن اعتنيت بحرفك أكثر، واحتضنتيه بدفء، حتى أنه كان يطلب إليّ أن أقرأ ما ينشر، أحلل، أناقش، وأنقد، مما زرع الثقة في نفسي أكثر.
"هي حياة.. هي الأصل، وكل ما عداها نتاجها.. حتى الموت، لأنه ما كان لو لم تكن الحياة الأساس، أما الإكسير، فهو الحب وأما ما يكسره ويخنقه، فهو وحش البشر الكامن في العمق، المتوحد هناك في عتمة لا أمان لها ولا فيها. الحياة النموذج تحتوي على الألوان جميعها، والمذاقات كلها، والحياة الأنموذج فيها الصعود كما الهبوط.. السمو والسقوط.. النجاح والفشل.. الدمعة والابتسامة، ،رعشة اللذة ورجفة الخوف، الخنوع والصمود، الرفض والقبول، الصحو والثمالة، المرأة والرجل، الذكر والأنثى.
وقد تكون حياة إنسان ما تشبه حياة أمة بكاملها، أو حتى هي مسار التبسيط المعقد للبشرية أو الانسانية".
بهذه الافتتاحية بدأ كتابه ( فلسطيني جدًا) ليلخص في بضع كلمات حياته كلها، بحلوها ومرها، أبيضها وأسودها، كذلك كتب "إن ما كتبته ليس نصف الحقيقة، ولا ربعها، ولا كلها، الحقيقة تبقى منقوصة مادام القلم يرتعش من ذكر جُزَيْءٍ منها حتى لو كان لا يُرى إلا تحت مجهر حديث صغير، فلا يكتبه، مع ذلك؛ أزعم أن ما سطرته (كامل الصدق) وإن كان منقوصًا بما لا يؤثر في مسرى الحياة".
لم يكن صاحبنا قديسًا، كما لم يكن شيطانًا، بل بشر فيه من المساوىء كما فيه من الحسنات.!!! 



التصنيف : ثقافة و أدب

1 التعليقات في "فلسطينية لفلسطيني جدا"

  1. قمر بدران قال:

    شكرا لكم..
    ورحم الله أديبنا الكبير نواف أبو الهيجاء.

اترك تعليقا :

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.